بعد وقت قصير من الساعة 12:30 ظهرًا في 28 أبريل 2025، انطفأت الأنوار في إسبانيا والبرتغالب.
فقد أدى انقطاع شامل للكهرباء، استمر حتى 16 ساعة في بعض المناطق، وكان الأشد في أوروبا خلال 20 عامًا، إلى تعطيل المنازل والشركات والخدمات الأساسية في مختلف أنحاء شبه الجزيرة الأيبيرية.2,1 , كما تعرض نظام الدفع لضربة قوية؛ إذ أفاد بنك CaixaBank الإسباني بأن إنفاق الأسر في إسبانيا انخفض بنسبة 34% نتيجة لهذا الانقطاع.3
يقول غيوم نونان، رئيس الجمعية الأوروبية لشركات إدارة النقد: "ما حدث كان مثالاً نموذجيًا على أزمة جعلت المدفوعات الرقمية عديمة الفائدة."
وقد قُدِّرت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكارثة في إسبانيا بنحو 1,6 مليار يورو، إلا أن مثل هذه السيناريو قد يصبح أكثر شيوعًا في المستقبل.4 وقد حذّر البنك المركزي الأوروبي البنوك في منطقة اليورو من توقع تزايد الصدمات، نتيجة المخاطر الجيوسياسية، والانقطاعات المرتبطة بالأحوال الجوية التي قد تعطل القدرة على معالجة المدفوعات، إضافة إلى الاضطرابات التكنولوجية. كما ألزمها بالاستعداد لمجموعة واسعة من السيناريوهات، بما في ذلك الأزمات التي يستحيل التنبؤ بها.5
في ظل هذه المعطيات، شهدت طريقة تفكير الشركات والبنوك المركزية والحكومات بشأن مرونة أنظمة الدفع تحولاً ملحوظًا. فقد تخلّت هذه الجهات عن الاعتقاد بأن الاستعداد المسبق وحده كافٍ للحماية من الاضطرابات، وبدأت بدلاً من ذلك بالبحث عن آليات احتياطية تقلل من حجم الأضرار التي قد تنجم عن اضطرابات بات يُنظر إليها على أنها حتمية.
ومع تزايد أهمية المرونة باعتبارها أولوية عالمية ملحّة، فإنها تدفع نحو موجة من الأفكار المبتكرة، وتكتسب حلول جديدة زخمًا في سبيل الحفاظ على استمرار حركة الاقتصادات.
Guillaume Nonain
President of ESTA, the European Cash Management Companies Association
تشهد أنظمة المدفوعات حول العالم اضطرابات متزايدة. فمن دون أنظمة دفع تعمل بكفاءة، يتعذر شراء السلع والخدمات، وتتوقف تدفقات الإيرادات، وتتراجع ثقة الجمهور. وفي حال وقوع اضطراب واسع النطاق، قد تواجه المجتمعات انهيارات في سلاسل الإمداد،
ومع اعتماد أعداد متزايدة من المستهلكين على المدفوعات الرقمية في معاملاتهم اليومية، تتزايد أيضًا مواطن الضعف. ولا تُعد انقطاعات الكهرباء سوى أحد مصادر التهديد، إذ برزت في الآونة الأخيرة مجموعة من المخاطر الأخرى التي تصدرت جدول الاهتمامات.
شكّلت سلسلة الهجمات السيبرانية التي استهدفت متاجر التجزئة في المملكة المتحدة خلال عام 2025، والتي عطّلت خدمات حيوية للأعمال وأثّرت في قدرتها على مواصلة عملياتها، درسًا مهمًا لقطاع الدفع بأكمله.6 يقول دنكان ماكينون، المدير التنفيذي لمتخصصي مخاطر الإشراف في بنك إنجلترا: "لنكن صريحين؛ كل جهة تمتلك موارد مالية، مهما كان حجمها، تُعد هدفًا لمجموعة إلكترونية تسعى إلى ابتزاز الشركات." "ولا يهتم القراصنة كثيرًا بما إذا كنتم شركة تأمين أو بنكًا أو بنية تحتية للأسواق المالية."
تشهد أوروبا أكبر زيادة في الهجمات السيبرانية مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم. وتُعد المؤسسات العاملة في قطاع الدفع من بين الجهات المستهدفة.7 ففي أبريل 2025، على سبيل المثال، تعرّضت مراكز البيانات الأوروبية التابعة لإحدى منصات الدفع الكبرى لهجوم حجب خدمة موزّع.8 ولم يعد التساؤل حول إمكانية أن تؤدي الهجمات السيبرانية إلى تعطيل أنظمة الدفع على نطاق أوسع مجرد افتراض بعيد الاحتمال. نشر سوق Lloyd’s للتأمين تقريرًا يحاكي آثار هجوم سيبراني "مرجّح" على أحد أنظمة الدفع الرئيسية في قطاع الخدمات المالية، وقدّر أن الخسائر الاقتصادية العالمية الناتجة عنه قد تصل إلى 3,5 تريليون دولار أمريكي.9
وقد جعل الذكاء الاصطناعي هذا التهديد أكثر حدة، إذ خفّض الحواجز أمام القراصنة الأقل خبرة، وعزز في الوقت نفسه قدرات مجموعات القرصنة المتخصصة على نطاق واسع. وفي سبتمبر 2025، أعلنت إحدى شركات الذكاء الاصطناعي أنها رصدت مهاجمين استخدموا القدرات الوكيلة لنموذجها لتنفيذ ما تعتقد أنه "أول حالة موثقة لهجوم سيبراني واسع النطاق نُفِّذ بدون تدخل بشري كبير. 10
ازدادت المخاطر الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بإعادة تشكيل التحالفات السياسية الكبرى وتصاعد النزاعات بين الدول. وقد أعرب كل من صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك المركزي الأوروبي (ECB) عن قلقهما إزاء تداعيات هذه التطورات على الاستقرار المالي، كما تحتل المخاطر الجيوسياسية باستمرار موقعًا متقدمًا ضمن أبرز المخاطر الواردة في نتائج استطلاع المخاطر النظامية الذي يجريه بنك إنجلترا.11
وفي ديسمبر 2025، تعرض كابل اتصالات بحري في قاع بحر البلطيق يربط فنلندا بـإستونيا لأضرار.12 ولم يكن هذا الحادث سوى واحد من سلسلة حوادث أثارت مخاوف بشأن إمكان تعمّد تعطيل شبكات الاتصال بهدف التأثير في خدمات حيوية مثل أنظمة الدفع. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أنه، من أجل الحفاظ على المرونة، أصبح من المهم "أكثر من أي وقت مضى" أن تعتمد الدول السياسات المناسبة. 13
يعود أحد الأسباب الجوهرية لشدة تأثر أنظمة الدفع بالمخاطر الجيوسياسية والتشغيلية إلى كونها جزءًا من منظومة مترابطة تعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود نسبيًا من مزودي الخدمات.
فمن جهة، ثمة مزودون يشكّلون الدعامة الأساسية للبنية التحتية للإنترنت التي بات يعتمد عليها جانب كبير من الاقتصاد العالمي. في عام 2024، على سبيل المثال، أدى تحديث برمجي معيب صادر عن إحدى شركات الأمن السيبراني إلى أكبر انقطاع في خدمات تكنولوجيا المعلومات على الإطلاق.14 وقد تسبب ذلك في تعطّل 8,5 ملايين جهاز حول العالم، وأوقف أنظمة الدفع، وكبّد شركات Fortune 500 وحدها خسائر قُدّرت بنحو 5,4 مليارات دولار. 15
ومن جهة أخرى، ثمة أوجه اعتماد متبادل خاصة بمنظومة الدفع.16 لنأخذ شبكات بطاقات الدفع مثالاً. وفقًا لتقرير Payment Cards Analytics الصادر عن GlobalData، تمت معالجة 42% من إجمالي قيمة معاملات بطاقات الدفع في أوروبا خلال عام 2025 عبر شبكتي Mastercard وVisa. 17 ورغم أن استخدام البطاقات أقل شيوعًا في مناطق أخرى من العالم، فإن أوجه الاعتماد هذه قائمة هناك أيضًا. في الهند، على سبيل المثال، عانى نظام الدفع الفوري لواجهة المدفوعات الموحدة من انقطاعات متعددة في ربيع عام 2025 بسبب سلسلة من الأعطال التقنية، ما أدى إلى تعطيل خدمة تعالج ما يقرب من 18 مليار معاملة شهريًا. 18
كيف يمكن لأنظمة الدفع أن تواصل عملها بسلاسة عندما تقع الكوارث؟
تمثل الجاهزية التشغيلية الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية. يقول جوش بوب، الرئيس العالمي لعمليات الدفع في جي بي مورجان : "المسألة ليست ما إذا كان الأسوأ سيحدث، بل متى سيحدث". ويعني التخطيط الشامل رسم خريطة واضحة لأوجه الاعتماد المتبادل، وإعداد استراتيجيات محددة للاتصال الداخلي والخارجي تكون جاهزة للتنفيذ، وضمان أن ينظر كل موظف في كل الإدارات، من الشؤون المالية والتكنولوجيا والبيانات والإستراتيجية إلى إدارة المخاطر، إلى القدرة على الصمود باعتبارها أولوية قصوى.
ويمكن أن تسهم تمارين محاكاة الإخفاقات في تحقيق ذلك. تجري المؤسسات المالية تمارين محاكاة قد تشمل تعطيل أحد مراكزها المصرفية الدولية، ورصد الآثار المترتبة على ذلك، وتحديد الحلول البديلة، والبحث عن مواطن القصور القائمة. كما تجرى تمارين جماعية، مثل تمرين SIMEX 24 الذي نظّمه بنك إنجلترا، وتتعاون خلاله السلطات المالية والشركات العاملة في القطاع المالي في المملكة المتحدة لتحديد كيفية استجابتها لسيناريو مشترك.19
ويضيف بوب أن جي بي مورجان ا يكتفي بإجراء اختباراته الداخلية لضمان قدرته على تجاوز الانقطاعات والاضطرابات والحفاظ على تجربة دفع سلسة لعملائه، بل يتعاون أيضًا بصورة منتظمة مع العملاء وشركاء القطاع والجهات التنظيمية لتنفيذ محاكاة مشتركة، واختبار الإجراءات، ووضع ممارسات تعزز مرونة النظام بأكمله.
ومع ذلك، فإن الاستعداد التشغيلي لا يقتصر على الخطط والإجراءات، بل يرتبط أيضًا بتصميم نظام الدفع نفسه. ويُعد الحفاظ على قنوات دفع متعددة توفر بدائل احتياطية متبادلة، إلى جانب الاعتماد على تقنيات موزعة جغرافيًا، من أفضل الممارسات المتبعة.
ويشرح ماجد ملايكة، مسؤول التحول الرقمي في صندوق النقد الدولي، قائلاً: "لكن يظل هناك دائمًا احتمال وقوع حوادث تتسبب في انهيار حتى أفضل الأنظمة تصميمًا." فعلى سبيل المثال، قد يكون من الصعب للغاية على نظام الدفع الصمود أمام انقطاع طويل الأمد تسببه حرب. ويضيف: "المناطق التي تشهد نزاعات تعاني أيضًا من انقطاعات في الكهرباء وشبكات الاتصالات."
لذلك، تبقى الحاجة قائمة إلى حلول قادرة على مواصلة العمل حتى في حال تعطل الشبكات. وفي ما يلي أربعة من هذه الحلول…
1. النقد هو الحل الأمثل
تخيل المشهد: يحاول أحد المتسوقين دفع ثمن مشترياته باستخدام محفظة رقمية، لكن جهاز الدفع يعرض رسالة خطأ. لا يقبل الجهاز حتى البطاقة المصرفية التقليدية، ولا يستطيع أيضًا تسجيل الدخول إلى تطبيقه المصرفي لمعرفة سبب المشكلة. ولا يكون واضحًا ما إذا كانت المشكلة تتعلق بحسابه الشخصي أم أنها جزء من عطل واسع النطاق. ولا يتبقى أمامه سوى أن يأمل في أن يكون بحوزته بعض النقود.
في عام 2025، واجه العملاء في فرنسا هذا السيناريو نفسه، عندما تعرضت المتاجر الكبرى لانقطاع استمر عدة ساعات في شبكة بطاقات الدفع،20 ما أدى إلى تعطل أجهزة الدفع الإلكتروني. واضطر المتسوقون الذين لم تكن بحوزتهم مبالغ نقدية كافية إلى ترك مشترياتهم ومغادرة المتجر.
يظلّ النقد وسيلة احتياطية مثالية عند تعطل وسائل الدفع الأخرى. فهو سهل الحمل، ويحتفظ بقيمة متفق عليها لا تختفي عند توقف الأجهزة عن العمل. في بعض البلدان، مثل لبنان،21 أدّت الأزمة المالية إلى نشوء اقتصاد يعتمد إلى حدّ كبير على التعاملات النقدية. لكن العالم، بوجه عام، يتجه نحو الرقمنة، فيما يتراجع استخدام النقد.22
كانت الشركات التي تتعامل مباشرة مع المستهلكين ترى أن الرسوم المفروضة على معاملات بطاقات الدفع تمثل تكلفة إضافية تجعلها تفضّل التعامل بالنقد. إلا أن هذا التفضيل انقلب تمامًا خلال السنوات القليلة الماضية. في كل أنحاء أوروبا، بدأت شركات كثيرة تتجنب التعاملات النقدية لأنها تعتبر إدارة النقد تكلفة تشغيلية غير ضرورية، بل إن بعض الشركات في المملكة المتحدة ذهبت إلى أبعد من ذلك وقررت التوقف عن قبول النقد نهائيًا.23 أما في اليابان، التي لطالما فضّل المستهلكون فيها استخدام العملة الورقية، فقد شكّلت المدفوعات غير النقدية 58% من إجمالي إنفاق المستهلكين في عام 2025، بما يعادل 162,7 تريليون ين.24
قد يدفع ازدياد تعقيد مشهد التهديدات واحتمال اتساع نطاقه إلى تغيير هذا التوجه مرة أخرى. يقول نونان، رئيس الجمعية الأوروبية لشركات إدارة النقد: "إذا نظرتم، على سبيل المثال، إلى السويد والنرويج، فستجدون أنهما قطعتا شوطًا بعيدًا في الحد من استخدام النقد في المعاملات اليومية، وأصبحتا شبه خاليتين من التعاملات النقدية." ويضيف: "لكن هذين البلدين بدآ التراجع عن هذا التوجه، بعدما أدركا أنه قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة." أصدرت النرويج، على سبيل المثال، قانونًا لإلزام الشركات بقبول النقد.25
وضعت بعض الدول ما يُعرف بخطط وطنية لمرونة النقد، بهدف ضمان استدامة منظومة المدفوعات عند حدوث أزمات. وتُعدّ إستونيا مثالاً جيدًا على ذلك، إذ تضم ما بين 50 و60 جهاز صراف آلي للطوارئ مزودًا بمصدر طاقة مستقل، بما يتيح له الاستمرار في صرف الأوراق النقدية في حال انقطاع التيار الكهربائي.
ومن الحجج الشائعة ضد النقد أنه معرّض للمخاطر المادية، إذ يمكن فقدانه أو تلفه، فضلاً عن صعوبة إدارته من الناحية اللوجستية. وردًا على ذلك، يشير نونان إلى حلول تكنولوجية، مثل الجيل الجديد من "الخزائن الذكية" التي يمكن للشركات شراؤها. ولا تقتصر وظيفة هذه الخزائن على حفظ النقد، بل تقوم أيضًا بعدّه تلقائيًا وتحديث رصيد الحساب المصرفي للشركة. ويقول: "إنها تجعل قبول المدفوعات النقدية أكثر أمانًا وملاءمة، وبالسهولة نفسها."
2.العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs): شكل ثالث للمال
يُعد الحفاظ على تداول النقد إلى جانب المدفوعات الرقمية إحدى أهم إستراتيجيات تعزيز المرونة. يشير ملايكة إلى أن بعض البنوك المركزية تدرس ما إذا كانت العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للأفراد يمكن أن تمثل "شكلاً ثالثًا من أشكال النقود"، وأن توفر مستوى إضافيًا من المرونة التشغيلية في بعض سيناريوهات التعطل.
ويعود أحد أهم أسباب ذلك إلى إمكانية تصميم هذه العملات بحيث تعمل أيضًا من دون اتصال بالإنترنت. وهذا المفهوم تستكشفه حاليًا بنوك مركزية عدة، من بينها البنك المركزي الأوروبي من خلال مشروع اليورو الرقمي.26 تصبح إمكانية العمل من دون اتصال بالإنترنت ممكنة لأن اليورو الرقمي يُصمَّم على نحو يحاكي النقد، إذ تُخزَّن الأموال على هاتف أو بطاقة ذكية بدلاً من الاحتفاظ بها في حساب مصرفي. نتيجةً لذلك، لا تتطلب المدفوعات اتصالاً بالإنترنت لإتمامها. يمكن لجهازين الاتصال مباشرةً بوسائل غير متصلة بالإنترنت، وتحويل الأموال بينهما. وفي وقت لاحق، عندما يستعيد الجهازان الاتصال، تُجرى عمليات التحقق، وتُزامَن الأرصدة الجديدة مع المنظومة الأوسع.
يرى ملايكة أن هذه الخاصية بالغة الأهمية لضمان مرونة أنظمة الدفع، ولا سيما في حالات النزاع أو الاضطرابات العامة. ويشير إلى أن هذه السيناريوهات قد تؤدي إلى تعرّض بعض مكونات نظام الدفع لأضرار مادية أو إلى تعذّر الوصول إليها، كما قد تظل المدة اللازمة للتعافي وإمكانات استعادة التشغيل غير مؤكدة. يمكن للعملات الرقمية للبنوك المركزية التي تعمل من دون اتصال بالإنترنت أن توفّر حلاً بديلاً. ويقول: "قد تحدث اضطرابات متقطعة، لكننا قد نشهد أحيانًا انقطاعًا كاملاً يستمر فترة طويلة جدًا". ويضيف: "لذلك، يمكن لعملة رقمية صادرة عن بنك مركزي أو لأداة دفع مصممة للعمل من دون اتصال بالإنترنت أن توفر قدرًا من الحماية."
وفي تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي شارك ملايكة في إعداده، يستعرض المؤلفون اعتبارات تتعلق بكيفية تصميم أنظمة قادرة على العمل من دون اتصال بالإنترنت.27 تشمل هذه الاعتبارات دعم مجموعة من الواجهات الأمامية لضمان استمرار إمكانية الوصول إلى الأموال حتى في حال تعرّض قناة واحدة أو أكثر للخطر، فضلاً عن النظر في دعم المدفوعات عبر الحدود لضمان استمرارية الدفع للمهاجرين بسبب النزاعات واللاجئين.
يرى ديفيد بيرش، السفير العالمي لدى شركة Consult Hyperion الاستشارية المتخصصة في تكنولوجيا المدفوعات، أن إمكانية العمل من دون اتصال بالإنترنت تمثّل تحديدًا نوع حالات الاستخدام التي تبرّر إنشاء عملة رقمية صادرة عن بنك مركزي منذ البداية. يقول: "إذا نظرنا إلى العملة الرقمية الصادرة عن بنك مركزي على أنها مجرد وسيلة لإجراء المدفوعات، فهي تكاد تكون عديمة الجدوى". ويضيف: "أما إذا نظرنا إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف أخرى، مثل جعل نظام الدفع أكثر موثوقية، فإنها تكتسب طابعًا مختلفًا."
لكن هذا لا يعني أنها حل سحري شامل. فالمخاطر المالية والأمنية تزداد كلما طالت مدة العمل من دون اتصال بالإنترنت، ولا سيما مخاطر التزوير والإنفاق المزدوج. فعندما تُنفَّذ عملية دفع من دون اتصال بالإنترنت، تكون منفصلة عن سجلّ يمكنه التحقق من أن الأموال مشروعة ولم تُنفق من قبل. غير أن ملايكة يشير إلى وجود حلول تشفيرية لمعالجة هذه المسائل، ما يعني أن الأمر يعتمد في نهاية المطاف على كيفية تصميم النظام. ويوضح: "العامل الحاسم يتمثل في بناء النظام وصيانته، ثم الالتزام بممارسات الأمن السليمة. وهذا هو ما سيحدد قدرة العملة الرقمية الصادرة عن بنك مركزي على الحفاظ على أمنها."
3.معالجة معاملات البطاقات دون اتصال بالإنترنت
في عام 2024، تعرّض عدد من البنوك الفنلندية لحملات هجمات سيبرانية موجهة وطويلة الأمد. ودفع ذلك البنك المركزي الفنلندي إلى دراسة ما يمكنه فعله بشكل أكبر لحماية نظام المدفوعات، الذي يشكّل هدفًا مغريًا للجهات الخبيثة الساعية إلى إثارة اضطرابات مجتمعية.28
برزت أنظمة الدفع بالبطاقات من دون اتصال بالإنترنت بوصفها الحل المفضّل. ونظرًا إلى الدور المهيمن لبطاقات الائتمان والخصم في فنلندا، إذ يقدّر توماس فاليماكي، عضو مجلس إدارة بنك فنلندا، نسبة المدفوعات داخل المتاجر التي تُجرى إما باستخدام بطاقة فعلية أو محفظة رقمية بما يتراوح بين 80 و90 في المئة، فمن المنطقي التركيز على تعزيز مرونة أنظمة البطاقات. يؤكد فاليماكي أن هذا الحل لن يُطرح بديلاً عن الاحتفاظ بالنقد، بل تدبيرًا إضافيًا لتعزيز التكرار الاحتياطي في النظام. ويوضح: "نعتقد أيضًا أنه ينبغي لكل أسرة الاحتفاظ بقدر من النقد لاستخدامه في حالات الطوارئ."
يجري إعداد المشروع بالتعاون مع السويد والنرويج والدنمارك وإستونيا، وهو يمر حاليًا بمرحلة تشاور مع البنوك والتجار والجهات المدافعة عن حقوق المستهلكين.29 ومن شأنه أن يتيح للمستهلكين استخدام بطاقاتهم الفعلية كالمعتاد أثناء فترات الانقطاع. وستُعتمد المعاملات من حيث المبدأ، على أن يُرجأ التحقق منها إلى حين عودة النظام إلى الاتصال بالإنترنت.
يوضح فاليماكي أن هذه التكنولوجيا ليست جديدة من الناحية التقنية، فهي تشبه ما يُقدَّم حاليًا على متن الطائرات لتنفيذ المعاملات أثناء الرحلات، حيث تتولى أجهزة الدفع بالبطاقات معالجة كل تلك المعاملات عند الهبوط. لهذا السبب، فإن التحدي لا يتمثل كثيرًا في تطبيقها على نطاق واسع، بل ببساطة في التأكد من أن التجار على الأرض قد جرّبوها وأنهم يعرفون أنها تعمل.
ويبقى النقاش الكبير المتبقي متمحورًا حول المخاطر. فماذا لو تم رفض المعاملة بعد فترة طويلة من حصول العميل على السلع أو استخدامه لخدمة ما، وإذا لم يكن من الممكن استرداد الأموال، فمن يتحمل الخسارة: الجهات المصدِرة للبطاقات، أم المصارف، أم التجار؟ يضيف فاليماكي قائلاً: "لهذا السبب نحتاج إلى نهج منسق".
Tuomas Välimäki
Board Member, Bank of Finland
4.التحرر من التبعية
ثمة تغيير يلوح في الأفق في أوروبا. في عام 2024، أطلقت مبادرة المدفوعات الأوروبية، المدعومة من 16 بنكًا أوروبيًا ومزودًا لخدمات الدفع، محفظة رقمية ومنصة للمدفوعات من حساب إلى حساب (A2A) تحمل اسم 30Wero. وكما تمتلك الهند نظام UPI والبرازيل نظام Pix، تتمثل الرؤية في أن تصبح Wero النظير الأوروبي لهما، من خلال إعادة صياغة منظومة المدفوعات في القارة بالكامل وتوفير تجربة موحّدة للمدفوعات من حساب إلى حساب.
لا يقتصر الأساس المنطقي لإنشاء نظام محلي للمدفوعات من حساب إلى حساب على الراحة والكفاءة فحسب، بل يشمل أيضًا تعزيز المرونة. فمن جهة، يتعلق الأمر بزيادة عدد مسارات الدفع المتاحة لتعزيز التكرار الاحتياطي. من جهة أخرى، يتعلق بالاستقلالية، أي عدم الاعتماد على بنية تحتية للمدفوعات، سواء أكانت شبكات بطاقات أو محافظ رقمية، يقع مقرها الرئيسي في مناطق جغرافية أخرى.
ويمكن أيضًا تصميم أنظمة الدفع من حساب إلى حساب بحيث تعمل عند انقطاع الإنترنت أو عدم استقرار الاتصال به. يشير بيرش إلى أدوات الدفع الفوري في أفريقيا التي يجري تكييفها للعمل عبر الرسائل النصية القصيرة أو تقنية Bluetooth، ما يتيح تنفيذ المعاملات باستخدام الهواتف المحمولة البسيطة أو أجهزة الدفع غير المتصلة بالإنترنت.
وثمة تقنيتان قائمتان أخريان مرشحتان للاضطلاع بدور مهم في جهود أي دولة للحد من أوجه الاعتماد الإستراتيجية المرتبطة بالمدفوعات. أولاهما تقنية SoftPOS، أو نقاط البيع البرمجية، التي تحوّل الهاتف الذكي أو الجهاز اللوحي إلى جهاز لقبول المدفوعات اللاتلامسية من دون الحاجة إلى ملحقات إضافية. وهذا يعني أن أي تاجر يمتلك جهازًا يعمل يمكنه مواصلة قبول المدفوعات حتى في حال انقطاع الكهرباء أو تعطل جهاز الدفع بالبطاقات. يوضح بيرش: "من المرجح أنهم جميعًا يمتلكون هاتفًا ذكيًا بالفعل، ولذلك يمكن ببساطة تنزيل تطبيق وقبول المدفوعات من خلاله."
أما التقنية الثانية فهي الإنترنت عريض النطاق عبر الأقمار الصناعية. تشهد سوق منظومات الأقمار الصناعية التي تتيح الوصول إلى إنترنت عالي السرعة ومنخفض زمن الاستجابة نموًا سريعًا، إذ تشير إحدى التقديرات إلى أن قيمتها ستبلغ 20 مليار دولار بحلول عام 2030.31 ويمكن للإنترنت عريض النطاق عبر الأقمار الصناعية أن يعزز المرونة من خلال توفير وسيلة بديلة للاتصال بالإنترنت، ومن ثم إجراء المدفوعات، في حال تضرر الكابلات البرية أو البحرية.
رغم كل ما يُثار من نقاش حول أنظمة الدفع الوطنية من حساب إلى حساب والسياسات الحكومية، فإن المرونة تتجسّد عمليًا على نطاق أصغر بكثير. ويظهر الاختبار الحقيقي عند نقطة البيع: هل تستطيع تلك الشركة تحصيل المدفوعات من ذلك العميل في ذلك اليوم؟
لهذا السبب، يمكن اعتبار الشركات نفسها "المحطة الأخيرة" في مرونة المدفوعات. فالنقد لن يكون ذا جدوى إذا لم يكن الموظف عند صندوق الدفع قادرًا على قبوله. كما أن البطاقات التي تعمل من دون اتصال بالإنترنت لا تفيد إذا لم تكن الشركة على دراية بهذه التقنية.
والأهم من ذلك أن مسؤولية ترسيخ عقلية تقوم على المرونة ضمن ثقافة الشركة، ووضع سياسات واضحة، وتدريب الموظفين، واختبار تدابير الطوارئ بانتظام، تقع على عاتق الإدارة التنفيذية العليا، بدءًا من الشؤون المالية ومرورًا بالتكنولوجيا ووصولاً إلى العمليات. يجب أن يعرف الجميع ليس فقط كيفية الاستجابة لانقطاع واسع النطاق، بل أيضًا كيفية التعامل مع انقطاع محلي ومحدود. وفي كل الحالات، تتمثل الغاية في الجاهزية، لا في القضاء التام على المخاطر. فحتى أكثر الشركات استعدادًا قد تجد نفسها متأثرة فجأة بانقطاع في خدمات الدفع يمنعها من خدمة العملاء أو دفع أجور الموظفين أو ضمان إدارة سلسلة التوريد بسلاسة.
ويقول بوب: "نعلم أن أمورًا غير متوقعة ستقع لا محالة". ويضيف: "ستحدث اضطرابات، ربما لأسباب جيوسياسية، أو بسبب الأحوال الجوية، أو نتيجة خلل تقني، أو بفعل هجمات تنفذها جهات معادية. ويتعين أن تكونوا مستعدين كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، وكل ثانية، بحيث تكون خطط الاستجابة التي تدربتم عليها مرارًا وتكرارًا جاهزة للتنفيذ فور وقوع الاضطراب."
ويشير بوب إلى أن الارتفاع الأخير في مستوى التهديدات أدى بالفعل إلى تحوّل في الطريقة التي تتعامل بها الشركات مع إدارة المخاطر. فثمة شريحة متنامية من القادة الذين يتحلون بقدر "صحي" من الحذر، ويمنحون أولوية أكبر بكثير لرسم خريطة المخاطر بفعالية. ويقول: "على المستويين الداخلي والخارجي، نشهد نحن كقطاع تقدمًا ملحوظًا على منحنى النضج في مجال المرونة."
ومن أبرز النصائح لأي شركة تعمل على تطوير إستراتيجيتها أن تولي التواصل اهتمامًا خاصًا. فإذا وقع اضطراب في خدمات الدفع، يصبح الصدق والانفتاح مع العملاء عنصرين مهمين للحفاظ على الثقة، كما لا تقل الاتصالات الداخلية أهمية. ويقول ماكينون: "قد يعمل في بنك أو شركة تأمين متوسطة الحجم مئات أو آلاف الموظفين." ويضيف: "لذلك، يكون التواصل الداخلي بالغ الأهمية، لأن الناس سيشعرون بالخوف." ويضيف بوب أن التواصل مع الإدارة العليا ضروري أيضًا. ويقول: "كونوا صريحين مع إدارتكم بشأن مَواطن عدم اليقين أو الجوانب التي قد تخفقون فيها. ولا تقولوا للإدارة إنكم ستنجحون على كل الجبهات."
وفي خضم الأزمة، قد يكون من السهل تصور أنها ستستمر إلى الأبد. لكن المؤسسة ستتجاوزها في نهاية المطاف. وعندما يحدث ذلك، فإن الطريقة التي تعيد بها ضبط أوضاعها لا تقلّ أهمية عن الطريقة التي اجتازت بها الاضطراب أساسًا. فإذا أدى هجوم سيبراني، على سبيل المثال، إلى تعطيل أنظمة الدفع التابعة لها، فينبغي للشركة تطبيق ممارسات سليمة في إدارة البيانات، بما في ذلك إعادة إصدار الأجهزة للموظفين عند الضرورة، والتأكد من خلو الشبكات الداخلية من أي اختراق أو تهديد. أما إذا تأثرت بانقطاع أوسع نطاقًا يطال الاقتصاد على نطاق واسع، فيتمثل الهدف في ضمان أن تكون المؤسسة مستعدة لإعادة الاتصال واستئناف أعمالها فور عودة البنية التحتية إلى العمل.
ويقول ماكينون: "إن مسار التعافي بالغ الأهمية." ويضيف: "بل إنه أمر حاسم تمامًا."
https://www.jpmorgan.com/payments/payments-unbound/sources
Illustration: Matt Murphy